Search
En | Ar

Press

في دمشـــق مـــن يســـتحق الحيــــــاة «ثـــلاث ســـنوات مـــن ممـــارســـة الفيسبوك» لـ«بطـــرس المعـــرّي».. مـــن السـِّـــيَر الشّـــعبيّة إلى قصص المــــوت الســّـــوري

25 Jan 2015

image

ينتقل الفنان «بطرس المعري» من «تجلياته في أوقات الفراغ» التي كانت عنواناً لمعرضه في صالة تجليات عام 2009 إلى تفكير من نوع آخر في معرض «3 سنوات من ممارسة الفيسبوك» في الصالة ذاتها. خمسة أعوام كانت كفيلة بتغيير المزاج، وتحويل اللوحة من مجرد حكايات لملء الفراغ، أبطالها روّاد مقاهٍ ومتسكعون يتلهون بقصص عنترة والزير، إلى نماذج أكثر ألماً في ظل قسوة الحال السورية، فتراجيديات الحرب وانعكاساتها الإنسانية، وجدت لها مكاناً وثيراً في لوحات «المعري» الأخيرة. 

مجموعة كبيرة من الهواجس والأفكار انتقلت من صفحته الافتراضية إلى قماش اللوحة وأوراقها، لنتلمس غرائبية من نوع ما وتناقضات كثيرة، فمن تصوير «فان كوخ» كدرويش يلوّن أزهاره بلون الشمس، إلى الفنان الزنديق يستبدل سكّين الألوان بسكّين الذبح مع موديله العاري ضمن عمل متشح بالسواد. ومن الخوف العميق وتضرعات الصلاة في لوحة «أنا خائف يا أمي» التي يفصل فيها خط الأفق بين اللونين الأسود والترابي الفاتح، إلى جرأة الحب في حديقة برج الروس بلون أحمر الشفاه.
جميع هذه التجليات وغيرها يرزح فيها نوع خاص من العذابات، إذ يُصوِّر «المعري» السوريين وكأنهم في حداد دائم، شخصيات منزوعة الفرح، ومصلوبة في منتصف الشُّهود، هذا الصلب وسط دائرة من مُعايني الألم وشاربي أنخابه ينحو باتجاه إعادة تدوير المأساة السورية تشكيلياً بطريقة يبرز فيها «المسيح السوري» -كما يسميه حامل الدكتوراه في مجال الكتاب المصور- كمستسلم لما آلت إليه حاله، فهو يعيش في برزخ أبيض بين طبقتين من السواد، الواقع والغربة وما بينهما من وحوش وسكاكين، فالكولاج والمزج اللذان حققهما «المعري» بين صورة من مدينة «هامبورغ» وشخصين يحتسيان القهوة بينما ذئب يهمّ بالهجوم على أحدهما تبرز ذاك الحنين إلى الوطن ومحاولة الانتماء إليه ولو بطريقة معنوية كما في الحملة التي قامت في كل أنحاء العالم تحت عنوان «هنا دمشق» والمجسدة في إحدى لوحات المعرض، في المقابل هناك من يتلهى مع النساء العاريات في لوحة «عندما أصبحت أجنبياً».

في لوحات «المعري» ثمة دائماً هالة قديس أو قبعة درويش، ورغم اشتغاله على شكل واحد للرأس (متطاول.. مستقيم الحواف ومقنطر في أعلاه)، إلا أن اهتمامه بالتفاصيل -سواء على صعيد الخطوط أو الألوان- يعطي إيحاءات محددة، فالأم السورية هي في المجمل «مريم» تندب مصير أبنائها، ووجدانها يقول «وا حبيبي أي حال أنت فيه»، والمواطن المذبوح في جميع تفاصيل حياته اليومية هو قديس بشكل من الأشكال في مواجهة «ذئبية» المتطرفين وهمجيتهم، لحى طويلة وكثّة.. عيون مغمضة وأخرى مفتوحة على هول الفاجعة، أنوف معقوفة وأخرى مستقيمة... إلى جانب المزاوجة بين الأبيض والأسود باستمرار مع إضافات حذرة ومدروسة للأصفر والأخضر والنبيذي والترابي التي جاءت لتُكمِل المَشْهَد كما في لوحة «أصدقاء الطفولة» المجتمعين على ضوء الشمعة وملامحهم غائرة في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء.
السخرية من الحرب السورية وتفاصيلها يبرزها «المعري» أيضاً من خلال قصص مصورة على الورق، فالأطفال يلعبون غير عابئين بقذائف الموت حولهم، ورصاصة طائشة تسأل جارَيْن كلٌّ عن طائفته لتعرف رأس مَن ستُفجِّر، وشخص يُدخِّن عليها لتنجلي وإن لم تنجل سيدخن عليها أكثر، أيضاً ثمة ملاك بشارِبَيْن معقوفين ينثر المشمس على الناس في حداداتهم القتيمة، حتى ان الكوابيس صار لها بائع يبيعها وبالجملة عند الحاجة، أما ذاك المديون حتى أذنيه -بعد أن قبض راتبه- رفض أن يحتسي «المتة»، بل اشترى فروجاً وقنينة ويسكي ليُفرِح زوجته التي تحبه كيفما كان.
الفنان «المعري» المقيم في هامبورغ الألمانية يعبِّر على بروشور المعرض: «وإن هجرناهم فلنفكر بهم قليلاً: ففي دمشق من يستحق الحياة. تبدو هذه العبارة، جواباً ممكناً لمن يتساءل عن هدف إقامة هذا المعرض في هذه الظروف وفي هذه المدينة. ويصبح هذا مبرراً كافياً لعناء العمل والتحضير لتخرج الأعمال إلى النور بصورة لائقة، ما أمكننا، وهذا المعرض مساهمة خجولة في النشاطات الثقافية التي يحاول البعض إقامتها في دمشق. نشاط يقارع الدمار وبشاعة ما يحدث. في النشاط حياة كما في الحركة بركة، تستحق دمشق أن  تبقى حية على مدار الساعة».

 

Article source: Tishreen news
© 2015 Tajalliyat Art Gallery. All rights reserved
Powered by Sustained Solutions

Follow us