Search
En | Ar

Press

بطرس المعري وثلاث سنوات من ممارسة الفيس بوك في صالة تجليات الريشة القادرة على السخرية من حدّ السكين

02 Feb 2015

image

عندما يتعرض الوطن لكل هذا الأذى، تصبح الحالة هي اللوحة، وتتحول من اسكيتش إلى فعل يشبه توثب الذات في مواجهة هذا الخوف الذي ينال من أمننا على مدار الساعة، وآن للجميع أن يتجاوزوه ويسخروا منه، كما يفعل المعري، بتلك الريشة المتألمة والمتهكمة، والقادرة على السخرية من حدّ السكين، قد تكون هذه هي رسالة العرض الحالي للفنان بطرس المعري في صالة تجليات في أعماله الأخيرة التي تجاوزت الثلاثين، وهي غيض من فيض بالمقارنة مع أعماله التي رسمها خلال السنوات الثلاث من عمر الجرح السوري على صفحته وعلى سطوح لوحاته، وإن كانت التسمية للمعرض معنية أكثر بتلك الأعمال التي ترصد وتتابع إيقاع الدم وهمجية العصابات التكفيرية على مساحة الوطن، وفي الوقت الذي يتابع المعري هذه الصور من الوجع من خارج الوطن نشعر معه أنه هنا، إذ إنها يوميات وطن بتعبير أدق.
أعمال المعري الأخيرة لا تخضع لتوصيف محدد كأعمال فنية لها صفة محددة كتصاميم كتاب أو أغلفة كتب ولا حتى أعمال سريعة بمعنى دراسات لوحات أو كروكيات أو أعمال مائية كدراسات بالحبر والإكرليك، بل هي كل هذا من زاوية فنية حداثوية، والأهم فيها أنها طازجة الانفعال، آنية وتلاحق الحدث والصورة من موقع تحليلي تهكمي قادر على المواجهة وجعل الآخر في موقع المحلل والمكتشف وصاحب القرار في النهاية، لكن أعماله التي يمكن توصيفها باللوحة وخصوصاً أعماله الثلاثة عن الحرب، ففيها يمكن أن نرى صورة تقتحم التابويات الاجتماعية ولا تعترف فيها عندما يتعرض الوطن لكل هذا الألم، ونراه هنا يفتك بالخلفية المعرفية والأيديولوجية لهذه المجموعات التكفيرية، فهم جماعات تمارس الجنس الحيواني وتقطع البشر وجل همّها الأعضاء التناسلية وحد السكين وإراقة الدماء لمن يعارضها في الرأي، وملائكتهم تدق لهم الدفوف في إشارة إلى خلفياتهم الدينية والمعرفية التي تزين لهم شرورهم، وهم هنا رجال الدين الذين يقفون وراءهم، لوحات الحرب تكثر فيها الأشلاء ولكن يعلو فيها صوت التهكم والسخرية واللسان الممدود كمن يقول لهم بطفولية صارخة أنتم مكشوفون..! إن أقصى ما يهم الناس لتجاوز الخديعة هو كشفها وتعريتها، وها هو المعري يفعلها كما ينبغي من خلال وعيه الوطني والإنساني بلغته الفنية الخاصة.
عنوان المعرض: ثلاث سنوات من ممارسة الفيس بوك، الفيس بوك بالنسبة للمعري كان فعلاً توعوياً ونقدياً ومعرفياً. وكان موجهاً للجميع، وخصوصاً للشباب. كان الفيس ممارسة ومواجهة، ومحاولة لإطلاق التفكير والحوار لدى الآخرين، والتمرد على الموروثات غير المؤصلة. فمن يعتقد أن الفيس وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي هو عالم افتراضي؛ يكون واهماً، لأن ثمة من يستغله ليسحق بتطرفه الآخر!

لنعد إلى أعمال المعري العام 2009، عندما تنبأ بما يمكن للسيوف والسكاكين أن تفعله بالرقاب البريئة، في العراق على سبيل الدقة، لنكتشف أنه يكاد لا يصدق ونحن معه، أن هذا الأمر قد حدث في سورية! إلا أنه في العام 2012 في صالة تجليات قدم (تجليات بأوقات الفراغ)، ليقول: إننا شعوب من الأبطال والبطولات على كراسي المقاهي، ومنذ سنين طويلة لا يشغلنا إلا عنترة وجساس والحروب غير المفهومة التي يرويها الحكواتي، نجلس ونستمع إليها منذ مئات السنين قبل هذا الإعلام وهذه الميديا، ومن يومها لم نفعل سوى نفث دخان الشيشة وشرب الشاي الثقيل.
للفنان بطرس المعري هذا الدور الذي يتجاوز مجرد تقديم اللوحة، أو الحالة التي نتشاركها معه، إنه يحاول تحريض الآخر الذي يرى أعماله لدرجة التفاعل. لا يتعامل المعري مع الآخر باعتباره مجرد متلقٍ، بل جزءاً قادراً على التغيير في مساره الفكري الذاتي بالحد الأدنى. ولا يستهدف العين وحسب بل أكثر من ذلك..! وليست السخرية التي نراها في أعماله إلا نوعاً من الاستفزاز الايجابي للخروج من هذا الركود أو ذاك.
ولا يصور الحدث كما هو، بل يحلله ويحيله إلى صورة، وقد يجمع الصورة مع الرسم بتقنية الكولاج ليقدم الحالة. اللوحة في نهاية المطاف عند المعري هي فعل متحرك وجدير بإثارة العواصف فينا.
لقد شكلت تجربة المعري بصمة خاصة في التشكيل السوري لكونها قامت في الأساس على تخصصه في فن الكتاب، ولذلك فهي تجربة تجمع ما بين الصورة والرسم البسيط والتلخيصي، وهي تتجاوز حرفة الرسم إلى الفن، والفن لا تعريف محدداً له لأن المعنى الذي يقدمه والمفهوم الذي يطرحه هو الذي يجعل منه الحالة أو لا، والمعري هنا يجمع ما بين الفنان الأكاديمي والفنان الشعبي، وهي المعادلة الأصعب أن تكون شعبياً وفناناً حداثوياً، فألاهم أن تصل صورتك وتستقطب اهتمام الآخر، وإن كانت لوحة المعري لا تتشابه مع أعمال الفنانين في المشهد السوري، فهذا يعني أنه أضاف إلى المشهد إيقاعاً بصرياً جديداً وأخرج اللوحة التي تنتمي إلى الفن الشعبي من الشكل الذي قدمها فيه أبو صبحي التيناوي إلى مشهد بصري معاصر في الشكل والمحتوى، فمن قال إن الميديا ليست مؤثرة إلى هذا الحد حتى يترك الناس النبي داؤود ويتبعون بخشوع هيفاء وهبي كي (يبوسوا الواوا) هذه هي إحدى أعمال المعري، فهل نقول إن هذا غير صحيح واقعياً..؟! في الشكل نرى أن المعري يصور كل ما يقول ويشير إليه بالتسميات ومن خلال أسهم صغيرة، مذكراً إيانا برسوم الأطفال، لكن هيفاء هنا بأصابع يدها الثمانية محط تهكم..! وهذا التهكم نراه كثيراً في أعمال المعري كعمله "دخن عليها تنجلي" و"الفنان الزنديق" و"موديله" و"الرصاصة الطائشة" التي لا تعترف بالتقسيمات الطائفية، ولكنه يصل إلى أقصى تهكمه وسخريته عندما يرسم الجنازة وثمة في الأعلى من يوزع المشمش على المشيعين، وتلك اللوحة التي يعيد فيها غوغان الأذن المقطوعة لفان كوخ، الذي نراه أيضاً يلون أزهار عباد الشمس الموجودة في آنية الزهور.
في معرضه الأخير يؤكد المعري التزامه بتراب الشام ومحبته لبيوتها، فهو يرسل لها الطيور البيضاء والورود، ويذهب إلى أن الشهيد ليستقي عظمة العطاء، ويحزن مع أطفال مدرسة المنار، التي قدمت الشهداء من الأطفال، ويحتد على قسوة الحياة في الجانب الاجتماعي فنراه يصور الفقراء وأحلامهم في شراء الدجاج المشوي، كما يصور العشاق الذين يختلسون القبل في الحدائق العامة، بعد ضيق المساحات التي يمكن فيها للأحلام أن تعيش، لوحة المعري هي رسالة مهمة بالمعنى التشكيلي وبمعنى الوعي، فعندما يصلب المسيح السوري من جديد في سورية، فهذا يعني أن المعري يؤكد على أن المسيح سوري في الأساس وأن هذا الفهم السوري يشمل كل سورية الكبرى، وبذلك هو لا يوجه لوحته كرسالة فنية وحسب، بل كرسالة تحمل العديد من الرسائل في وقت واحد.

بطرس المعري في سطور:
مواليد دمشق 1968 إجازة في الفنون الجميلة– قسم الحفر1991 معيد في كلية الفنون الجميلة، 1995 دكتوراه في مجال فن الكتاب المصور باريس، 2006 مدرس في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، قسم الحفر.

معارض فردية
• المركز الثقافي السوري– باريس 2000
• صالة أب كو أد كيم– باريس 2002
• صالة أب كو أد كيم– باريس 2003
• صالة كلود لومان– باريس 2005
• صالة أوروبيا– باريس 2008
• صالة أوروبيا– باريس 2010
• 2011 المركز الثقافي الفرنسي– دمشق
• "تجليات في أوقات الفراغ"، صالة تجليات– دمشق 2012

معارض مشتركة
• معرض اللوحة الصغيرة- صالة وفاء، دمشق1991
• فنانون من العالم، صالة برنانوس، باريس 2001
• معرض خيال الكتاب، مكتبة الإسكندرية، الإسكندرية، 2002
• معرض مراسم مدينة أنطوني، 2002
• معرض كتاب الفنان المعاصر في العالم العربي، فرانكفورت وهامبورغ، 2004
• بينالي الإسكندرية الأول للكتاب، مكتبة الإسكندرية، 2004
• تصوير- شعر، صالة كلود لومان– باريس، 2005
• تحية إلى صخر فرزات- صالة أوروبيا- باريس 2007
• معرض دمشق- باريس رؤى متبادلة، معهد العالم العربي، باريس، 2008
• معرض دمشق- باريس رؤى متبادلة، متحف دمشق الوطني، 2009
• 2010 معرض جماعي- صالة رفيا، دمشق

شارك في ندوة التصوير والنحت المعاصر في العالم العربي والتركي، معهد دراسات الإسلام ومجتمعات حوض المتوسط، باريس، 2001.
عمل في مجال كتب الأطفال وله 8 كتب باللغتين العربية والفرنسية دعي لحصة توقيع كتبه في:
• صالون الكتاب الأوروبي- العربي الثامن، باريس2005
• احتفالية السنة العشرون لإنشاء معهد العالم العربي، باريس 2007
• الصالون الرابع عشر لكتاب الشباب، لمكتبة جاك بوميل، في مدينة رييل مالميزون 2007
• صالون باريس للكتاب، 2008 له عدة مقالات منشورة بالعربية والفرنسية في مجال الفن التشكيلي.

عمار حسن

 

 

Article source: النهضة
© 2015 Tajalliyat Art Gallery. All rights reserved
Powered by Sustained Solutions

Follow us