Search
En | Ar

من الكينونة إلى الصيرورة

حجر من الكينونة إلى الصيرورة الفنية

ملايين السنين مرت وهذا الحجر كائنٌ بمفرده أو منزاحٌ متكسرٌ عن كتلة أكبر، متحركٌ بفعل اهتزازات الأرض، فتارة يكون على تلة وتارة في نهر، متعرضٌ كوجود مادي إلى شتى أنواع التأثيرات من حرارة ورطوبة، وللكثير من المواد العضوية التي تضيف عليه أو تزيل عنه، وكل هذه التأثيرات الزمنية والتفاعلات يمكن تسميتها بالسيرورات المتنوعة على كينونة الحجر في أبعادها المادية، إلا أن التحول الأهم حدث حين وقعت عليه عينا النحات، فهي لحظة حاسمة في سيرورة المادة، هي لحظة التقاء وحوار الوعي والرؤية مع المادة، وعي النحات وطاقة الحجر الكامنة، تلك الصورة الكامنة بالقوة ما قبل زمن النحت، وهنا نتحدث عن إشارات تلقاها النحات من خلال شكل الحجر وخامته اللونية وحتى من خلال الاتحادات العضوية المرافقة وربما تكون أكاسيد الحديد أو المعادن وغيرها الكثير؛ هنا تتحول الرؤية إلى وعي يجمع بين حدس الصورة وتلقي طاقتها حتى قبل مس الحجر ليكون الوعي والطاقة متجسداً في الحجر كعمل نحتي حين اكتمال العمل وهو ما نسميه الصيرورة، أي أن العمل صار على هذه الصورة عند انتهاء النحات من لمسته الأخيرة.
الفنان جميل قاشا هو كينونة أي موجود وهذا بعد مادي للكلمة، لكن هذا الوجود تعرض للكثير من الخبرات الذاتية والحياتية طالت الوعي وصقلت العين وربطت ما بين العين والروح والفكر واليد لتشكل من هذا الكل عبر سيرورة وتراكم هذه الخبرات والتحققات الذاتية والروحية الواعية صيرورة تنقل قاشا من حال الى حال متجاوزاً حجباً حسيه ومادية إلى عالم الصور وحدسها، وهذه الصيرورة تعود من جديد لتمنح الكينونة الذاتية المادية والمعنوية الكثير من الإضافات وتخلق لذاتها عبر تدفقها الواعي والمتصل مع الكون الطبيعي سيرورات مؤثرة في المادة وهي هنا الحجر لينقلها من حالة خمود إلى حالة اشتعال وحركة واشتهاء جمالي بمعنى اثارة العين لتفتح في القلب نافذة على هذا الوعي، فالأمر ليس النحت الجميل وإن كان هذا مستوى متقدم من التعرف إلى الجمال إلا أن الأهم هنا التعرف إلى طاقة الفن - الرؤية العارفة - في إزالة قشور الحجر للوصول الى هذه الصور، والصورة هنا هي جوهر وعي الجمال، الأمر يشبه قدرتنا على التخلص من قشورنا المادية وإزالة هذه الكثافات عن الأنا لتستطيع اختراق هذه الحجب للارتقاء، الفن هنا بهذه المقاربة هو وعي وطاقة أوصل المادة الى هذه الحالة التي نسميها فناً مجسداً بعمل نحتي، والأمر مشابه كمقاربة لو طبق على الإنسان..!
الفنان جميل قاشا بهذا المعنى هو الكينونة المؤثرة في كينونات أخرى ومنها الحجر، ويمكن اعتبار الرؤية والصورة والضوء كينونة لها أثرها في حركة وزمن وجاذبية الأشياء لبلوغ حالة أكثر ارتقاءً ونضجاً في مدارج الوعي، ذلك لأن الفنان هو الكينونة والسيرورة والصيرورة، لأنه الأداة بيد الحياة، وهي تختاره ليدل عليها.
صالة تجليات

From
07-Apr-2019

To
21-Apr-2019

© 2015 Tajalliyat Art Gallery. All rights reserved
Powered by Sustained Solutions

Follow us