Search
En | Ar

ومضات عشق

ومضات عشق !                                                                         

العشق سر حقيقتنا، يختبئ فينا، يولد معنا، كبذرة حياة، وأكثر من حب..! وما أن ترويه شرارة وعي حتى تتفتح هذه الشجرة وتفرد أغصانها إلى خارج الذات، لتنشر هذا السر من جديد ولكن بلمسة روح لها عرفانيتها ومرجعيات تطوافها المقدس حول السر..! إنها نفحة الإلهي فينا، أن نرى ما بعد المرئي، ثم يصل إليه البعض ليصير مرئياً، ثم يكون اللوحة. هذا الكشف الغامض عن السر الذي ارتبطت به كل البشرية، كل الثقافات، إنها شجرة الولادات والخصوبة شجرة الخلود والقداسة والتحريم، إنها شجرة كل شيء حي، وتنتهي في ثقافتنا الشرقية لتكون شجرة المحبة ومحبة الله. 

إذا نحن أمام شجرة مكتنزة بالكثافات الرمزية ويمكن لأي ثقافة في العالم أن ترى فيها رمزها الخاص فكيف عندما تحلق هذه الشجرة في سماء اللوحة وتصير الرحم والمعنى، عندما تصير المزار والضوء وحولها وتحتها الطواف الكبير لتكتمل دائرة الطقس، هذا يصل مباشرة إلى المتلقي لا بل ويُدخل المتلقي في حالة الطواف هذه، ذلك لأن لكل منا شجرته الرمز، وهنا المشترك يحمل كثافة الرمز الذهني وكثافة الصورة اللوحة، وفي كلاهما رؤية ومشترك.

الجميل يبقى محدوداً كما الشجرة في الطبيعة، حتى يكون الفن فتصبح جمالاً واعياً بخلاصات الروح والوجد وعندها يكون الحوار مع هذا الفيض الذي طفا على سطح اللوحة فصار وسار إلى روح العين، كطاقة كثفت عبر لمسة الريشة، هذه الريشة المتصلة مع زمن تراكم وفي طياته كل الهواجس والاتصالات والانكسارات، التوحد والتلاقي والتحرر والانكفاء، هي شجرة تشبه الأم والرحم الكوني، وتوحدها وتسامقها إلى السماء يخفي توحد الفنان وثراء اتصاله، وحيداً كما هذه الشجرة في الفراغ إلا أنه فراغ الامتلاء والاكتفاء حتى تشكل كمزار من جمال، فراحت تطوف به الأعين عبر مجسات الأرواح التي تتطلع إلى الصفاء والانعتاق والعودة إلى المحبة، المعرفة ما قبل المدنس إلى ما قبل الخسف، إنه الدوران الاهليجي حول الشجرة؛ الرمز الجمعي للوصول إلى الطهرانية والاكتمال والتحرر من لوثات الأرضي والمادي، وهنا الشجرة تنتصب عامودياً كصلاة، وهذا بُعد في عمارة اللوحة وهندستها تشكيلياً وأساسٌ في بنائها لتكون المركز الذي يكتظ حوله البشر في تلاصق حميمي ليتشكل عبر تلاحمهم وحراكهم اكتمال الدائرة والدوران، كما يفعل المتصوفة في حراكهم الدائري مع ثباتهم في المركز، إلا أن هذا الحراك الدوراني في اللوحة هو حراك اهليجي تصاعدي بذات الوقت، ولابد في لحظات التوهج من الوصول الى ذروة الضوء، بحيث تغيب الرؤية وتتضح ويكتمل قطف ثمار الغبطة والعودة من جديد الى خط الأرض الأفقي! وهنا نحن أمام هندسة اللوحة وفق رمزية الخطوط أفقياً وعامودياً ودائرياً واهليجياً وايقاعياً كموسيقى تُعزف عبر لمسات الريشة، هذا لم يحدده الفنان بل تركه كتوهيمات يمكن للعين أن تدركها كمعنى، وهذا لا يأتي إلا من خبرة عريضة بعوالم الدوران هذه، وقد تجاوزت هذه الخبرة أربعين سنة، حتى وصل مشهد العشق هذا إلى هذه الدرجة من الانعتاق والتماهي مع المعنى، ليتحول إلى طاقة في نهاية المطاف، فنكاد لا نشاهد اللوحة بتفصيلاتها كبريّة وريف وبشر وشجرة، بل أطيافاً من ضوء ولون تذوب في السماء، وهذا التسارع لمادة ومفردات اللوحة حوله الفنان إلى طاقة كما يحدث الأمر في الفيزياء عند تسارع الأجسام لحافة سرعة الضوء، فتصبح طاقة، وما يجعلها طاقة هو شدة انغماس الفنان في هذا العشق حتى حدود الذوبان الفني والانعتاق من ضرورة وجود الشكل، إذاً كيف يكون الاتحاد ما بين الذاكرة والزمن إلا بالعشق..؟! وهنا العشق بصورة الفن.

 بعد هذه التقدمة يمكن الحديث عن محاولة التخلص من مفهوم الشجرة كرمز ميثولوجي لتكون حالة خيالية وطاقة تحريكيه عبر اللوحة، تأخذ المتلقي إلى حالة من الدوران الروحي التخيلي من خلال الاتصال مع مفهوم الشجرة أو العشق، وهما فينا كبذرة انثوية مقابلة لوعي مذكر مؤمن بتكامل القطبية، الشجرة هنا هي الذات الأنثوية فينا، الأم تحديداً أو الرحم المتصل بالحب والرحمة وهذا نجده داخل الشجرة في لوحات الفنان علي مقوص، فالأنثى بحقيقتها العارية هي من تتوهج على أغصانها، فلم لا تكون الشجرة هنا هي هذا المشتهى كأنثى وحقيقة وطبيعة؟! نعم هي لوحة تتشكل من البرية والريف ونساء الريف العاملات في الحقول في مصفوفة مقوص الذاكرية والحلمية إلا أن هذه الذاكرة تتحول من الاشتهاء التأملي المنفعل إلى التأمل المشتهى الفاعل، عندما استطاع أن يبلغ ولوحته هذا الحد من الدوران والتوهج فكانت شجرة عشق، وهو ما دعاني لعنونة النص بشجرة عشق متصلاً مع اقتراح الفنان بأنها ومضات عشق، والحقيقة أيضا أن ومضات كهذه هي شرارات ما أن تلتقطها عين الوعي حتى يشتعل عشق.

العشق هنا مرتبة أكثر من الحب، مرتبة في قداسة الحال، وهذا ما وصل إليه الفنان عبر الملازمة والتواصل الزمني الطويل مع الموضوع وهذا مرادف لغوي لمعنى كلمة عشق، ويضاف إلى المعنى والحال كلمة التعاشق بمعنى التشارك والدمج والاتحاد وهنا لا يمكن فصل مقوص عن شجرته حتى أننا اليوم نعرف عليّ من خلال شجرته وسرعان ما نقع في هذا الإشراط، فعليّ فنياً يساوي هذه الشجرة وهذه الحالة الطقسية، وإذا كانت الشجرة في الكثير من الثقافات هي رمزٌ للخلود فهنا اللوحة والتجربة برمتها في هذه الحالة من الخلود، ألا يقال: إنه "بالفن يقتل الموت" إذاً نحن إزاء حالة فنية من صنو رمزية الشجرة التي تحتمل معنى الخلود وإلا لماذا نراها مثمرة بالجواهر على نبع الماء في الأساطير السورية، هنا الجواهر هي الأسرار، بينما اللوحة هنا هي الجوهرة، والجوهرة هنا بالمعنى الفني العرفاني.

ما نراه  كصالة تجليات في تجربة الفنان عليّ مقوص هو هذا الطقس الملحمي . من زاوية الوجداني المتماهي مع هذه الطبيعة التي تقيم هذه العلاقات المتناغمة ما بين مفرداتها والإنسان بحيث تتحول الشجرة إلى حالة من الوجد المكتنز بتاريخ من الأحاسيس والانفعالات والتغيرات البصرية بالمعنى الفني من الأسود والأبيض إلى اللون إضافة للتغيرات والتراكمات الروحية التي أنضجت طاقة اللوحة وكان لها مدّ روح الفنان فغدت ملحمة حياة ووجود بالمعنى الفني للكلمة، وهنا يرسخ مقوص أن للوحة زمنها ومكانها الخاصين وطاقتها أيضاً، هذه الطاقة التي تتمايز بالعلاقات الخطية واللونية والصياغات الإيقاعية بما فيها الحركة والصمت والفراغ والاكتناز وصولاً إلى التونات اللونية والضوئية متناغمة مع الشعور المعرفي وهذا ما يجعل لوحة وشجرة عليّ مقوص حالة متفردة ومؤثرة، وهو ما يمنح التجربة مرتبة الإبداعية الفنية.

 

صالة تجليات

From
10-Feb-2019

To
25-Feb-2019

© 2015 Tajalliyat Art Gallery. All rights reserved
Powered by Sustained Solutions

Follow us